رسالة إلى روضة الحبيب عليه الصلاة والسلام
كتبها الوزير الأديب لسان الدين بن الخطيب
بأمر من السلطان أبي الحجاج يوسف سابع سلاطين بني الأحمر
نص الرسالة
إلى رسول الحق إلى كافة الخلق ،وغمام الرحمة الصادق البرق ، الحائز في
ميدان اصطفاء الرحمن قصب السبق ، خاتم الأنبياء ، وإمام ملائكة
السماء ، ومن وجبت له النبوة وآدم بين الطين والماء ، شفيع
أرباب الذنوب ، وطبيب أدواء القلوب ، ووسيلة الخلق إلى علام الغيوب
نبي الهدى الذي طهر قلبه ، وغفر ذنبه ، وختم به الرسالة ربه
وجرى في النفوس مجرى الأنفاس حبه ، الشفيع المشفع يوم العرض
المحمود في ملأ السماء والأرض ، صاحب اللواء المنشور ، يوم النشور
والمؤتمن على سر الكتاب المسطور ، ومخرج الناس من الظلمات إلى النور
المؤيد بكفاية الله وعصمته ، الموفور حظه من عنايته ونعمته ، الظل
الخفاق على أمته ، من لو حازت الشمس بعض كماله ما عدمت إشراقا
أو كان للآباء رحمة قلبه ذابت نفوسهم إشفاقا ، فائدة الكون ومعناه
وسر الوجود الذي بهر الوجود سناه ، وصفى حضرة القدس الذي لا ينام
قلبه إذا نامت عيناه.
البشير الذي سبقت له البشرى، ورأى من آيات ربه الكبرى ، ونزل فيه
"سبحان الذي أسرى" ، الأنوار من عنصر نوره مستمدة ، والآثار تخلق
وآثاره مستجدة ، من طوي بساط الوحي لفقده، وسد باب الرسالة
والنبوة من بعده ، وأوتي جوامع الكلم ، فوقفت البلغاء حسرى
دون حده الذي انتقل في الغرر الكريمة نوره ، وأضاءت لميلاده مصانع
الشام وقصوره ، وطفقت الملائكة تحييه وفودها وتزوره ، وأخبرت الكتب
المنزلة على الأنبياء بأسمائه وصفاته ، وأخذ عهد الإيمان به على من
اتصلت بمبعثه منهم أيام حياته ، المفزع الأمنع يوم الفزع الأكبر ،
والسند المعتمد عليه في أهوال المحشر ، ذو المعجزات التي أثبتتها
المشاهدة والحس ، وأقر بها الجن والإنس ، من جماد يتكلم ، وجذع لفراقه
يتألم ، وقمر له ينشق ، وحجر يشهد أن ما جاء به هو الحق ، وشمس
بدعائه عن مسيرها تحبس ، وماء من بين أصابعه يتبجس، وغمام
باستسقائه يصوب ، وطوى بصق في أجاجها فأصبح ماؤها وهو العذب الشروب
المخصوص بمناقب الكمال وكمال المناقب ، المسمى بالحاشر والعاقب ، ذو المجد
البعيد المرامي والمراقب ، أكرم من رفعت إليه وسيلة المعترف المغترب،
ونجحت لديه قربة البعيد المقترب ، سيد الرسل محمد بن عبد الله بن عبد
المطلب ، الذي فاز بطاعته المحسنون ، واستنقذ بشفاعته المذنبون ، وسعد
باتباعه الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، صلى الله عليه وسلم
ما لمع برق وهمع ودق وطلعت شمس ، ونسخ اليوم أمس ، من عتيق شفاعته
وعبد طاعته ، المعتصم بسببه ، المؤمن بالله ثم به ، المستشفي بذكره
كلما تألم ، المفتتح بالصلاة عليه كلما تكلم ، الذي إن ذكر تمثل
طلوعه بين أصحابه وآله ، وإن هب النسيم العاطر وجد فيه طيب خلاله
وإن سمع الآذان تذكر صوت جلاله ، وإن ذكر القرآن استشعر تردد جبريل
بين معاهده وخلاله ، لاثم تربه ، ومؤمل قربه ، ورهين طاعته وحبه ،
المتوسل به إلى رضى الله والدمع ماح ، وخيل الوجد ذات جماح ، عن شوق
يزداد كلما نقص الصبر ، وانكسار لا يتاح له إلا بدنو مزارك الجبر
وكيف لا يعي مشوقك الأمر ، ولا توطأ على كبده الجمر ، وقد مطلت
الأيام بالقدوم على تربتك المقدسة اللحد ، ووعدت الآمال ودانت باخلاف
الوعد ، وانصرفت الرفاق والعين بنور ضريحك ما اكتحلت ، والركائب
إليك مارحلت ، والعزائم قالت وما فعلت ، والنواظر في تلك المشاهد
الكريمة لم تسرح ، وطيور الآمال عن وكور العجز لم تبرح ، فيا لها من
معاهد فاز من حياها ، ومشاهد ما أعطر رياها ، بلاد نيطت بها عليك
التمائم ، وأشرقت بنورك منها النجود والتهائم ، ونزل في حجراتها
عليك الملك ، وانجلى بضياء فرقانك فيها الحلك ، مدار الآيات والسور
ومطالع المعجزات السافرة الغرر، حيث قضيت الفروض وحتمت، وافتتحت
بسورة الوحي وختمت،وابتدأت الملة الحنفية وتممت، ونسخت الآيات
وأحكمت، أما والذي بعثك بالحق هاديا، وأطلعك للخلق نورا باديا ،
لا يطفئ غلتي إلا شربك، ولا يسكن لوعتي إلا قربك، فما أسعد من أفاض
من حرم الله إلى حرمك ، وأصبح بعد أداء ما فرضت عن الله ضيف كرمك،
وعفر الخد في معاهدك ومعاهد أسرتك، وتردد ما بين داري بعثتك وهجرتك.
وإني لما عاقتني عن زيارتك العوائق،وإن كان شغلي عنك بك،وعدتني
الأعداء فيك عن وصل سببي بسببك، وأصبحت بين بحر تتلاطم أمواجه، وعدد
تتكاثف أفواجه، ويحجب الشمس عند الظهيرة عجاجه، في طائفة
من المؤمنين بك وطنوا على الصبر نفوسهم، وجعلوا التوكل على الله وعليك
لبوسهم، ورفعوا إلى مصارختك رؤوسهم، واستعذبوا في مرضاة الله ومرضاتك
بؤسهم، يطيرون من هيعة إلى أخرى، ويلتفتون والمخاوف عن يمنى ويسرى،
ويقارعون وهم الفئة القليلة جموعا كجموع قيصر وكسرى، لا يبلغون
من عدو هو الذر عند انتشاره، عشر معشاره، قد باعوا من الله الحياة
الدنيا، لأن تكون كلمة الله هي العليا، فيا له من سرب مروع،وصريخ
إلا منك ممنوع، ودعاء إلى الله وإليك مرفوع، وصبية حمر الحواصل، تخفق
فوق أوكارها أجنحة المناصل، والصليب قد تمطى فمد ذراعيه، ورفعت
الأطماع بضبعيه، وقد حجبت بالقتام السماء،وتلاطمت أمواج الحديد،
والبأس الشديد، فالتقى الماء،ولم يبق إلا الذماء،وعلى ذلك فما ضعفت
البصائر ولا ساءت الظنون،وما وعد به الشهداءتعتقد القلوب حتى تكاد
تشاهده العيون،إلى أن نلقاك غدا إن شاء الله وقد أبلينا العذر،
وأرغمنا الكفر،وأعملنا في سبيل الله وسبيلك البيض والسمر.
استنبت رقعتي هذه لتطير إليك من شوقي بجناح خافق،وتسعد من نيتها التي
تصحبها برفيق موافق،فتؤدي عن عبدك وتبلغ،وتعفر الخد في تربك وتمرغ،
وتطيب بريا معاهدك الطاهرة وبيوتك،وتقف وقف الخضوع والخشوع تجاه
تابوتك،وتقول بلسان التملق،عند التشبث بأسبابك والتعلق،منكسرة
الطرف،حذرا بهرجها من عدم الصرف،يا غياث الأمة،وغمام الرحمة،
ارحم غربتي وانقطاعي،وتغمد بطولك قصر باعي،وقو على هيبتك خور
طباعي،فكم جزت من لج مهول،وجبت من حزن وسهول،وقابل بالقبول نيابتي
وعجل بالرضا إجابتي،ومعلوم من كمال تلك الشيم،وسجايا تلك الديم،
أن لا يخيب قصد من حط بفنائها، ولا يظمأ وارد أكب على إنائها.
اللهم يا من جعلته أول الأنبياء بالمعنى وآخرهم بالصورة،وأعطيته
لواء الحمد،يسيرآدم فمن دونه تحت ظلاله المنشورة،وملكت أمته ما زوي له من
زوايا البسيطةالمعمورة،وجعلتني من أمته المجبولة على حبه والمفطورة،
وشوقتني إلى معاهد المبرورة،ومشاهده المزورة،ووكلت لساني بالصلاة عليه
وقلبي بالحنين إليه،ورغبتني بالتماس ما لديه، فلا تقطع عنه أسبابي
ولا تحرمني في حبه أجر ثوابي،وتداركني بشفاعته يوم أخذ كتابي.
هذه يا رسول الله وسيلة من بعدت داره،وشط مزاره،ولم يجعل بيده
اختياره،فإن لم تكن للقبول أهلا،فأنت للإغضاء والسماح أهل،وإن كانت
ألفاظها وعرة فجنابك سهل، وإن كان الحب يتوارث كما أخبرت،والعروق
تدس حسبما إليه أشرت،فلي بانتسابي إلى سعد عميد أنصارك مزية،
ووسيلة أثيرة خفية،فإن لم يكن لي عمل أرتضيه فلي نية،فلا تنسني
ومن بهذه الجزيرة المفتتحة بسيف كلمتك،على أيدي خيار أمتك،فإنما نحن
بها وديعة تحت بعض أقفالك،فنعوذ بوجه ربك من إغفالك،ونستنشق من ريح
عنايتك نفحة،ونرتقب من محيا قبولك لمحة،ندافع بها عدوا طغة وبغى،
وبلغ من مضايقتنا ما ابتغى،فمواقف التمحيص قد أعيت من كتب وورخ،
والبحر قد أصمت من استصرخ،والطاغية في العدوان مستبصر،والعدو محلق
والولي مقصر،وبجاهك ندفع مالانطيق،وبعنايتك نعالج سقيم الدين فيفيق
فلا تفردنا ولا تهملنا،وناد ربك فينا،"ربنا ولا تحملنا"،وطوائف أمتك
حيث كانوا عناية منك تكفيهم، وربك يقول لك وقوله الحق
"وماكان الله ليعذبهم وأنت فيهم"،والصلاة والسلام عليك يا خير من طاف
وسعى وأجاب داعيا إذا دعا،وصلى الله على جميع أحزابك وآلك،صلاة تليق
بجلالك،وتحق لكمالك،وعلى ضجيعيك وصديقيك وحبيبيك ورفيقيك،خليفتك
في أمتك،وفاروقك المستخلف بعده على جلتك،وصهرك ذي النورين المخصوص
ببرك وتجلتك،وابن عمك سيفك المسلول على حلتك،بدر سمائك ووالد أهلتك
والسلام الكريم عليك وعليهم كثيرا أثيرا، ورحمة الله وبركاته،
وكتب بحضرة جزيرة الأندلس غرناطة ، صانها الله ووقاها
ودفع عنها ببركتك كيد عداها
المصدر
أزهار الرياض في أخبار عياض
ج4ص38-45
الخميس, 08 فبراير, 2007
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية









من البحرين
أخي جمال الديــن
أسعدني المرور هنا وتصفح مدونتك الرائعة
والمتنوعة ,, موضوع جميل
أسعدني المرور فيه ,, وبإذن الله سأبقى هنا دوماً أتصفح هذه المواضيع